علي بن محمد البغدادي الماوردي
86
أدب الدنيا والدين
العلماء : هلك من ترك لا أدري . وقال بعض الحكماء : ليس لي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست أعلم . وقال بعض البلغاء : من قال لا أدري علم فدرى « 1 » ومن أنتحل ما لا يدري أهمل فهوى « 2 » ولا ينبغي للرجل وإن صار في طبقة العلماء الأفاضل أن يستنكف « 3 » من تعلم ما ليس عنده ليسلم من التكلف له . وقد قال عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام : يا صاحب العلم تعلم من العلم ما جهلت وعلم الجهال ما علمت . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : خمس خذوهن عني فلو ركبتم الفلك ما وجدتموهن إلا عندي ألا لا يرجون أحد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ولا يستنكف أن يتعلم ما ليس عنده وإذا سئل عما لا يعلم فليقل لا أعلم ومنزلة الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد . وقال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى منه موسى على نبينا وعليه السلام ولما قال هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا . وقيل للخليل بن أحمد : بم أدركت هذا العلم قال : كنت إذا لقيت عالما أخذت منه « 4 » وأعطيته . وقال بزرجمهر : من العلم أن لا تحقر شيئا من العلم ومن العلم تفضيل جميع العلم . وقال المنصور « 5 » لشريك « 6 » : أنّى لك هذا العلم قال : لم أرغب عن قليل أستفيده ولم أبخل بكثير أفيده على أن العلم يقتضي ما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه وليس للراغب فيه قناعة ببعضه . وروى عون بن عبد اللّه عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : « منهومان « 7 » لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا » أما
--> ( 1 ) فدرى : أي احتال قبل وقوعه فيها ونجا ، من درى يدري الصيد إذا حنكه . ( 2 ) فهوى : سقط . ( 3 ) يستنكف : يستكبر . ( 4 ) أخذت منه وأعطيته : أي والربح في كثرة الأخذ والإعطاء ، لا في كثرة المتاع . ( 5 ) المنصور : أمير المؤمنين ، أبو جعفر بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ، استخلف بعد أخيه السفاح ، ومن كلامه : « الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه » ولد سنة 95 في اليوم الذي مات فيه الحجاج ، ومات بمكة ببئر ميمونة سنة 158 . ( 6 ) شريك بن عبد اللّه : هو النخعي ، كان من الفقهاء والمحدثين ، نصب قاضيا من طرف المهدي ، ولد في 95 ، وتوفي 177 . ( 7 ) منهومان : تثنية منهوم ، وهو شديد الشهوة ، المكب على الشيء طلبا لحيازته .